الراغب الأصفهاني

394

الذريعة إلى مكارم الشريعة

وقد قال بعض الحكماء : إن البخت بمنزلة امرأة صماء عمياء ورهاء « 1 » في حجرها جواهر ، وهي قاعدة على حجر مدور ، يتبعها ناس كثير يلتمسون ما عندها ، وهي لا تسمع قولا ولا ترى وجها ، وقد اعتزل عنها قوم قليلو العدد ، وقعدوا ناحية ، وفي كل ساعة تقبض قبضة مما في حجرها وتعطيها واحدا من القوم . لا تخص اتباعها بل ربما تخطئهم وربما تعطيهم « 2 » ، كأنها المعنية بقول من قال من الشعراء : لا تمدحن ابن عباد وإن مطرت * كفاه جودا ولا تذممه إن ذمما فليس يبخل إبقاء على نشب * ولن يجود بفضل المال معتزما لكنها خطرات من وساوسه * يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما وتارة تعرج على من أعطته فتسلبه سلبا وتدوسه بحجرها دوسا . وأما الفضائل الأخروية : فكما قيل : العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك ، فإذا أعطيته كلك فأنت من إعطائه إياك بعضه على خطر ، ولهذا قال تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى . وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى « 3 » .

--> ( 1 ) ورهاء : كثيرة الشحم . ( 2 ) « لا تخص أتباعها بل ربما تخطئهم » سقط من ط وحدها . ( 3 ) النجم / 39 ، 40 .